مبدأ الفصل بين السلطات

اذهب الى الأسفل

default مبدأ الفصل بين السلطات

مُساهمة من طرف وليدالحسني في الثلاثاء 30 أكتوبر 2007 - 9:58

من المؤكد أن مبدأ الفصل بين السلطات قد غدا منذ الثورة الفرنسية أحد المبادىء الدستورية الأساسية التي تقوم عليها النظم الديمقراطية الغربية بوجه عام ، ويحتم هذا المبدأ أولاً قيام حكومة نيابية Representative Government ، لأنه لا يسود إلا في ظل النظام النيابي ، حيث تتضح فيه الضرورة إلى توزيع السلطات Distribution of Powers .
وينسب أصل هذا المبدأ إلى الفلسفة السياسية للقرن الثامن عشر ، حيث ظهر في ذلك الوقت كسلاح من أسلحة الكفاح ضد الحكومات المطلقة ـ التي كانت تعمد إلى تركيز جميع السلطات بين يديها ـ وكوسيلة أيضاً للتخلص من استبداد الملوك وسلطتهم المطلقة.
وتتلخص الفكرة الأساسية التي يقوم عليها مبدأ الفصل بين السلطات في ضرورة توزيع وظائف الحكم الرئيسية : التشريعية والتنفيذية والقضائية على هيئات منفصلة ومتساوية تستقل كل منها عن الأخرى في مباشرة وظيفتها حتى لا تتركز السلطة في يد واحدة فتسيء استعمالها, وتستبد بالمحكومين استبداداً ينتهي بالقضاء على حياة الأفراد وحقوقهم.
وإذا كانت تلك الفكرة هي جوهر مبدأ الفصل بين السلطات ، فإن هذا هذا المبدأ ليس معناه إقامة سياج مادي يفصل فصلاً تاماً بين سلطات الحكم ، ويحول دون مباشرة كل منها لوظيفتها بحجة المساس بالأخرى ، ومن ثم فإن مقتضى مبدأ الفصل بين السلطات أن يكون بين السلطات الثلاث تعاون ، وأن يكون لكل منها رقابة على الأخرى في نطاق اختصاصها بحيث يكون نظام الحكم قائماً على أساس أن " السلطة تَحُدّ أو توقف السلطة " Power should be a check to power ، وهو ما يعبر عنه بالفرنسية بـ " Le pouvoir arrête le pouvoir " ، فيؤدي ذلك إلى تحقيق حريات الأفراد ، وضمان حقوقهم ، واحترام القوانين ، وحسن تطبيقها تطبيقاً عادلاً وسليماً ، فهذا ما يتفق وحكمة الأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات التي هي تحقيق التوازن والتعاون بين السلطات ، وتوفير الحيدة لكل منها في مجال اختصاصها .
ولا يذكر مبدأ الفصل بين السلطات إلا مقترناً باسم الفقيه والفيلسوف الفرنسي ذائع الصيت البارون تشارلز لويس سيكوندات مونتيسكيو Montesquieu ، وذلك لما أبرزه من أهمية لهذا المبدأ ، وما حدده له من صياغة وأسلوب في التوضيح ، وذلك كله على النحو المبين في مؤلفه المشهور " روح القوانين " The Spirit of Laws/L'Esprit des Lois " الصادر سنة 1748 . وموضوع سلطات الدولة ووظائفها سبق أن تناوله العديد من الفلاسفة والفقهاء من قديم, وبخاصة أفلاطون وأرسطو ، كما أن موضوع الفصل بين هذه السلطات تلقى اهتماماً ظاهراً من الفقيه الإنجليزي جون لوك John Locke في أعقاب ثورة سنة 1688م ، وذلك في مؤلفه عن " الحكومة المدنية " Civil Government الصادر سنة 1690 .
لقد كان لأفكار " مونتيسكيو" حول فصل السلطات صدىً كبير ، وأثر بالغ ، حيث تداولها المفكرون ، ونادى بها الفقهاء ، إلا أن خلافاً قد نشأ بين فقهاء القانون العام حول حقيقة مفهوم هذا المبدأ ومدلوله الصحيح ، فالبعض فهمه على أنه يعني الفصل المطلق بين السلطات ، وأن هذا هو السبيل الوحيد لتحقيق غاية المبدأ الأساسية في منع التعسف والاستبداد بالسلطة ، إلا أن الغالبية العظمى من الفقهاء ، قد فهمت المبدأ على نحوٍ آخر ، وهو أنه يعني الفصل المرن بين السلطات ، أي فصلاً مع التعاون بين السلطات ، ومع تبادل الرقابة فيما بينها .
ولكن ، وأياً ما كان الخلاف حول مفهوم مبدأ الفصل بين السلطات ومدلوله ، فمن الثابت أن المبدأ قد غدا منذ الثورة الفرنسية تياراً جارفاً ، ونشيداً عالمياً ، واعتبره الجميع أحد الأعمدة أو الأركان الرئيسة لقيام الحكم الديمقراطي.
ورغم المزايا العديدة التي يتسم بها مبدأ فصل السلطات ، والفوائد التي يحققها ، فإنه ـ شأنه شأن غيره من المبادىء السياسية والقانونية ـ لم يسلم من النقد ، فقد عاداه بعض الفلاسفة والفقهاء ، ووجهوا إليه الكثير من سهام النقد ، وإن كانت لم تحظَ كما سنرى ـ بتأييد الفقه لها ، وذلك لأن مردها كان نتيجة تفسيرهم الخاطىء للمبدأ ، وعدم فهمهم لمضمونه الحقيقي كما تصوره " مونتسكيو " ؛ وأمام هذه الحقيقة ، فإن أوجه النقد التي ساقها مناهضي هذا المبدأ ، تفقد كل قيمة لها ، في حين أن المبدأ يبقى قائماً بمعناه الصحيح ، ويعتبر أفضل حماية لحقوق وحريات الأفراد ، ووقاية لهم من عسف الحاكم وتسلطه .
وبناء عليه ، سنعالج هنا مبدأ الفصل بين السلطات من خلال تتبع نشأة هذا المبدأ وجذوره التاريخية ، ثم ننتقل بعد ذلك لبيان مدلوله الصحيح ، والمبررات التي قام على أساسها ، وأهم الانتقادات التي وجهت إليه والرد عليها ، وذلك من خلال الفروع الثلاثة التالية : الفرع الأول : نشأة مبدأ الفصل بين السلطات الفرع الثاني : مدلول مبدأ الفصل بين السلطات الفرع الثالث : مبررات مبدأ الفصل بين السلطات والانتقادات الموجهة إليه

الفرع الأول نشأة مبدأ الفصل بين السلطات تمهيد وتقسيم : ارتبط مبدأ الفصل بين السلطات باسم الفيلسوف السياسي الفرنسي " مونتيسكيو " الذي كان له الفضل في إبرازه كمبدأ أساسي لتنظيم العلاقة بين السلطات العامة في الدولة ، وكوسيلة لتفتيت السلطة ، ومنع تركيزها في يد واحد على نحوٍ يهدد حريات الأفراد ويعرض حقوقهم للخطر ؛ وإذا كان فضل مونتسكيو في ذلك لا ينكر ، إلا أن جذور المبدأ ترجع إلى زمن بعيد ، قبل القرن الثامن عشر بقرون عديدة ، فقد كان لأعلام الفكر السياسي الإغريقي أفلاطون وأرسطو دور مهم في وضع الأساس الذي قام عليه مبدأ الفصل بين السلطات .
كما كان " جون لوك " أول من أبرز أهمية هذا المبدأ في العصر الحديث ، في مؤلفه عن " الحكومة المدنية " الذي صدر سنة 1690 ، وكان ذلك بعد الثورة السياسية التي قام بها البرلمان الإنجليزي سنة 1688 ، والتي أدت إلى إعلان " وثيقة الحقوق " Bill of Rights سنة 1689 ؛ بيد أن مبدأ الفصل بين السلطات لم يأخذ الأهمية الكبيرة التي نالها ، ولم يتضح مضمونه ، وتتبلور معالمه وحدوده إلا بعد أن نشر " مونتسكيو " مؤلفه الشهير " روح القوانين " سنة 1748 ، حيث قام هذا الفيلسوف بدراسة آراء من سبقوه ، ثم صاغها صياغة جيدة ، وعرضها عرضاً واضحاً ودقيقاً ، ولذلك كان من حقه في الفكر السياسي أن ينسب إليه هذا المبدأ ، ويرتبط باسمه.
وبناء عليه ، سوف نتناول بالدراسة فيما يلي نشأة مبدأ الفصل بين السلطات, من خلال الحديث عن نشأة هذا المبدأ قبل ظهور نظرية مونتسكيو ( أولاً ) ، ثم نتكلم بعد ذلك ـ وبشيءٍ من التفصيل ـ عن نظرية " مونتسكيو " ذاتها في الفصل بين السلطات ( ثانياً ), وسيكون ذلك وفقاً لما يلي : أولاً ـ مبدأ الفصل بين السلطات قبل ظهور نظرية " مونتسكيو " :
إن الحديث عن نشأة مبدأ فصل السلطات في الفترة السابقة على ظهور مونتسكيو ونظريته في هذا الشأن ، يتطلب منا أن نتتبع جذور نشأة هذا المبدأ في كل من الفكر السياسي القديم ( الفلاسفة اليونانيين Greek philosophers وبخاصة أفلاطون وأرسطو ) ، والفكر السياسي الحديث ، وبالذات في القرن السابع عشر ( التجربة الديمقراطية الإنجليزية ) :
1 ) مبدأ الفصل بين السلطات في الفكر السياسي القديم :
أ ـ أفلاطون ومبدأ الفصل بين السلطات ( 427 ـ 347 ق . م ) :
رأى أفلاطون Plato ـ منذ العهد القديم ـ ضرورة فصل وظائف الدولة ، وفصل الهيئات التي تمارسها عن بعضها ، على أن تتعاون كلها على الوصول إلى الهدف الرئيسي للدولة ، وهو تحقيق النفع العام للشعب ، وفي سبيل عدم انحراف هيئات الحكم عن اختصاصاتها وأهدافها ، تتقرر لها في مواجهة بعضها وسائل للرقابة ، يراد بها منع الانحراف ، ووقف كل هيئة عند حدود اختصاصها المحدد لها .
وذهب أفلاطون في كتابة " القوانين " إلى توزيع وظائف الدولة وأعمالها المختلفة على عدة هيئات بحيث تمارس كل هيئة وظيفة معينة ، وبيّن هذه الهيئات على النحو التالي : ـ مجلس السيادة ، ويتكون من عشرة أعضاء ، وهذه المجلس هو الذي يهيمن على مختلف الشؤون العامة في الدولة . ـ جمعية تضم كبار الحكماء والمشرعين ، ومهمتها حماية الدستور من عبث الحكام ، و الإشراف على سلامة تطبيقه . ـ مجلس شيوخ منتخب من الشعب ، ومهمته القيام بالتشريع ، أي سن القوانين اللازمة للدولة . ـ هيئة قضائية تتكون من عدة محاكم على درجات مختلفة ، ومهمتها الفصل في المنازعات . ـ هيئة البوليس " الشرطة " للمحافظة على الأمن داخل الدولة ، وهيئة الجيش للدفاع عن سلامة البلاد من الاعتداءات الخارجية . وبهذه الطريقة تتولى كل هيئة الإشراف على عمل معين ، وتسأل عنه ، وتتعاون جميع الهيئات على تحقيق المصلحة العامة ، وبهذا الأسلوب في الحكم تستقر الأوضاع في الدولة ، ويمكن تفادي الاستبداد الذي قد ينجم إذا ما ركزت جميع الأعمال في يد واحدة .
ب ـ أرسطو ومبدأ الفصل بين السلطات ( 384 ـ 322 ق . م ) :
قرر الفيلسوف والمفكر العظيم أرسطو" Aristotle " في مؤلفه السياسة " Politics " أن السلطة لا تنبع إلا من الجماعة ، وبالتالي لا يجوز أن تسند إلى فرد أو أقلية من الشعب ، وإنما إلى الجماعة كلها ، وما دام القانون هو في الحقيقة تعبير عن إرادة هذه الجماعة ومظهراً لها ، فيجب أن يحكم تصرفات هذه الجماعة, وبذلك تكون السيادة في حقيقة الأمر لهذه الجماعة, أو بمعنى آخر للشعب.
إلا أن تعدد وظائف الدولة وتنوعها وتشعبها ، يستلزم تقسيم تلك الوظائف إلى عدة وظائف فرعية ، نظراً لان الجماعة ـ صاحبة السيادة الحقيقية في الدولة ـ لن تستطيع لن تقوم بها مجتمعة ، وفضلاً عن ذلك فإن اجتماع السلطات كلها في يد شخص واحد كفيل بإفساد نظام الحكم من أساسه ، وتحويل ذلك الشخص إلى سلطة استبدادية غير صالحة للاستمرار( )؛ ومن هنا كان لابد من تقسيم وظائف الدولة إلى ثلاث وظائف رئيسية هي :
1 ـ المداولة ( الفحص والتشاور ) Deliberation : وهذه الوظيفة أناطها أرسطو بسلطة أسماها السلطة التداولية The Deliberative Power ويتولاها " المجلس العام " Public Assembly ، ومهمته فحص المسائل والقضايا العامة Public affairs ومناقشتها . 2 ـ الأمر ( وظيفة الحكم وإصدار الأوامر ) Command : وهذه الوظيفة يتولاها الحكام Magistrates وكبار الموظفين ، ومهمتها تنفيذ القوانين . 3 ـ القضاء أو العدالة " Justice : وهذه الوظيفة تناط بالسلطة القضائية Judicial Power التي تتولاها المحاكم بكافة أنواعها ودرجاتها, وتكون مهمتها الفصل في الخصومات والجرائم . وإذا كانت وظيفة ( الأمر ) ووظيفة ( العدالة ) تطابق في مفهوماتنا الحديثة السلطتين التنفيذية والقضائية ، فإن وظيفة ( المداولة ) لا تطابق ( وظيفة التشريع ) التي نعرفها الآن ، وذلك أن ( المداولة ) تتسع عند أرسطو لأكثر من مجرد عمل القوانين ، بحيث يدخل فيها فضلاً عن ذلك كل ما يتصل بـ : السلم والحرب ، والمعاهدات ، وأحكام الإعدام ، والمصادرة ، والنفي ، وانتخاب الحكام ، والتدقيق على حساباتهم( ), وهو ما حمل " أرسطو " في خاتمته إلى اعتبار وظيفة ( المداولة ) بمثابة العنصر الأسمى في الدول( ) . والواقع أن دعوة " أرسطو " لم تكن دعوة إلى الفصل بين السلطات ، بل كانت دعوة إلى تقسيم وظائف الدولة حسب طبيعتها القانونية ، غير أنه يجب ألا يغرب عن البال أن الفصل بين السلطات لا يمكن أن يتحقق ما لم يكن هناك تقسيم لوظائف الدولة ، ومن ثم فإن دعوة أرسطو ـ وإن لم تتضمن الدعوة إلى مبدأ الفصل بين السلطات ـ إلا أنها مهدت السبيل له ، وبالتالي فإنها تكون قد أسهمت في نشأته وتكوينه.

وليدالحسني
مدير عام
مدير عام

عدد الرسائل : 396
العمر : 31
الموقع : www.alhasny.mam9.com
العمل/الترفيه : المسابقات
المزاج : رائق
تاريخ التسجيل : 28/08/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alhasny.mam9.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى