الحرب علي الإرهاب‏:‏ كيف ضلت أمريكا الطريق؟

اذهب الى الأسفل

default الحرب علي الإرهاب‏:‏ كيف ضلت أمريكا الطريق؟

مُساهمة من طرف وليدالحسني في الإثنين 5 نوفمبر 2007 - 14:41

بدأت رياح التغيير السياسي تهب علي العالم الغربي‏.‏ فأكثر الدول الأوروبية محورية تشهد تغيرات لقياداتها السياسية‏.‏ وقد بدأت هذه التغيرات بالفعل في فرنسا بتولي نيكولا ساركوزي الحكم خلفا لجاك شيراك‏,‏ ثم تأتي بعدها بريطانيا والتي تنتظر تقديم توني بلير استقالتة في السابع والعشرين من يونيو‏,‏ وفي العام القادم تجري في روسيا انتخابات رئاسية تأتي بقائد آخر يخلف فلاديمير بوتين‏.‏ وفي نوفمبر من العام القادم تجري أهم انتخابات رئاسية في العالم وهي انتخابات الولايات المتحدة والتي لن يكون جورج بوش طرفا فيها من بعيد او من قريب‏,‏ بل في الواقع‏,‏ فرص الحزب الجمهوري في الفوز بهذه الانتخابات ضئيلة جدا‏,‏ بل تكاد تكون معدومة‏.‏ وكما هي العادة‏,‏ ستترك القيادات القديمة إرثا وتركة للقيادات التي ستخلفها‏.‏ وفي هذه الحالة تحديدا‏,‏ سترث القيادات الجديدة تركة سوداء وإرثا لعينا يتمثل في عواقب الحادي عشر من سبتمبر وإستراتيجيات التعامل معها‏.‏ فإذا كان حادث اغتيال الأرشيدوق فرانسيس فرديناند ولي عهد الامبراطورية النمساوية هو الذي فتح الأبواب للحرب العالمية الأولي ثم الحرب العالمية الثانية ومن بعدهما الحرب الباردة‏,‏ وببساطة شكل التاريخ السياسي للقرن العشرين ككل

‏ فأحداث الثلاثاء الأسود او الحادي عشر من سبتمبر ستلعب دور المحرك الرئيسي للأحداث السياسية في القرن الحادي والعشرين‏.‏ وهذا يعني أن الوقت لم يحن بعد لكي تكف قيادات العالم السياسية عن التعامل مع عواقب حادث سبتمبر‏,‏ وفي الغالب‏,‏ لن يحين هذا الوقت في المستقبل القريب‏.‏ وفي هذا السياق‏,‏ تمثل الحرب علي الإرهاب الإبنة الشرعية للإستراتيجية الأمريكية في التعامل مع الحادي عشر من سبتمبر‏,‏ فهي المكون الرئيسي للميراث الذي سيتركة جورج بوش ورفاقه للقيادات التي ستخلفهم‏.‏ وحرب الإرهاب‏(‏ وما آلت إليه‏)‏ هي التجسيد الأمثل لسوء التخطيط وسوء الإدارة‏.‏ فانحرفت هذه الحرب عن الطريق الذي كان من المفترض أن تسلكه‏,‏ وفشلت في تحقيق أي من الأهداف التي سعت لتحقيقها‏,‏ بل حتي فشلت في الحفاظ علي المعاني التي كان من المفترض أن تمثلها‏.‏ والهدف من هذه الدراسة هو توضيح كيف بدأت حرب الإرهاب وما هي الدوافع الفكرية التي حركتها وما هي الخسائر التي تكبدتها أمريكا في سياق تلك الحرب‏,‏ أو بمعني آخر‏,‏ كيف ضلت الإدارة الأمريكية طريقها في تلك الحرب حتي وصل بها الحال إلي ترك إرث من الكوارث للإدارات التي ستخلفها‏.‏

أولي الخطوات التي اتخذتها أمريكا في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر كانت توجيه ضربة عسكرية لأفغانستان وحركة طالبان الحاكمة في ذلك الوقت‏.‏ بدأت قوات التحالف في ضرب أفغانستان في السابع من أكتوبر عام‏2001‏ وكانت هذه هي نقطة البداية للحرب الأمريكية علي الإرهاب‏,‏ وهي المعركة التي لم تنته حتي الآن‏,‏ بل هي تزداد تعقيدا يوما بعد يوم‏.‏ في ذلك الوقت صرحت الإدارة الأمريكية بأن حرب أفغانستان لها ثلاثة أهداف رئيسية‏,‏ أولا‏:‏ اعتقال أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة‏,‏ ثانيا‏:‏ تدمير تنظيم القاعدة‏,‏ وثالثا‏,‏ القضاء علي نظام طالبان المسيطر علي أفغانستان في ذلك الوقت‏.‏ وفي سياق تلك المعركة‏,‏ خسرت قوات التحالف ما يقرب من خمسمائة قتيل وألف وثمانمائة مصاب من جنودها‏,‏ وتمثلت الخسارة الأكبر في العدد المهول من المدنيين الأفغان والذين ذهبوا ضحايا لهذه المعركة وهو رقم يقترب من الثمانية آلاف‏.‏ وبالطبع لم تتمكن قوات التحالف التي دكت جبال أفغانستان من اعتقال أسامة بن لادن أو حتي القضاء علي تنظيم القاعدة‏,‏ حتي نظام طالبان والذي انتهي سياسيا بعد هذه الحرب عاد للظهور مرة أخري هذه الأيام بعد مرور أقل من ست سنوات علي انتهائه‏.‏ ولعل تفجيرات بالي والتي راح ضحيتها ما يقرب من مائتي سائح أجنبي كانت ابلغ رد علي أن حرب أفغانستان لم تؤثر علي نشاط تنظيم القاعدة‏,‏ بل علي النقيض‏,‏ فهي أجبرت التنظيم علي أن ينشط في بقاع جديدة من العالم‏.‏

ثم جاءت ثاني خطوات الإدارة الأمريكية في العشرين من مارس عام‏2003‏ بعد حوالي عام ونصف العام من ضرب أفغانستان‏.‏ بعد الكثير من المماطلة والعديد من مراحل الشد والجذب‏,‏ أعلنت أمريكا أخيرا حربها علي العراق‏.‏ وعللت الإدارة الأمريكية حرب العراق آنذاك بثلاثة أسباب رئيسية‏.‏ أولها امتلاك العراق لترسانة من أسلحة الدمار الشامل وهو ما يشكل تهديدا لمصالح أمريكا ولأمن العالم ككل‏.‏ ثانيها‏,‏ العلاقة الوثيقة ما بين نظام صدام حسين وتنظيم القاعدة‏.‏ ثالثها‏,‏ الحالة المزرية لحقوق الإنسان في العراق في ظل نظام صدام حسين‏.‏ وبعد حوالي أربع سنوات‏,‏ تبدل الوضع كثيرا عما كان عليه عشية العشرين من مارس عام‏.2003‏ فلم تعثر الولايات المتحدة علي أسلحة الدمار الشامل التي ادعت أن النظام العراقي يمتلكها‏,‏ ولم يتغير حال حقوق الإنسان في العراق بعد الغزو الأمريكي بل ازداد سوءا وبشاعة‏,‏ ويكفي أن نعلم أن العراقيون يذهبون إلي أعمالهم مرة واحدة في الأسبوع وهو نفس حال تلاميذ المدارس لكي نعرف نوعية حياة هذا الشعب والحال الحقيقي لحقوق الإنسان العراقي‏,‏ هذا بالإضافة إلي ارتفاع عدد المعتقلين إلي ستة أضعاف سجناء صدام والمختفين إلي عشرين ألفا سنويا‏,‏ حتي تنظيم القاعدة والذي كان من المفترض أن يعاني من غياب دعم نظام صدام حسين له كما توقعت أمريكا‏,‏ في اعتقادي انه سيظل ممتنا لما فعلته أمريكا بالعراق وكيف تحول علي أيدي الاحتلال الأمريكي إلي ملجأ آمن للإرهابيين ومصنع للتطرف والطائفية‏.‏ وفي الواقع‏,‏ خسائر حرب العراق المادية و السياسية والمعنوية تصلح لأن تكون مادة خصبة للآلاف من الدراسات‏,‏ ولكن سأكتفي بذكر أن هناك حوالي أربعة آلاف جندي أمريكي لقوا حتفهم وثلاثين ألفا ما بين جرحي ومصابين في سياق حرب العراق التي لا تزال تحصد الأرواح علي الجانبين يوميا وبلا انقطاع‏.‏ وبالطبع لم تنته التصرفات الأمريكية عند العراق وأفغانستان‏,‏ بل امتدت لتشمل تدخلاتها في كل من الصومال والسودان‏,‏ وزرع التوترات في علاقتها مع سوريا‏,‏ والتصعيد الخطير للأزمة النووية الإيرانية‏.‏

وبالنظر للفكر الأمريكي السائد في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر والذي يعد محركا رئيسيا لأفعال الإدارة الأمريكية التي تلت حادث سبتمبر يتضح لنا إلي أي مدي ابتعدت أمريكا عن تحقيق الأهداف التي سعت يوما ما لتحقيقها‏.‏ عقب الحادي عشر من سبتمبر توصلت الإدارة الأمريكية إلي أن العالم الإسلامي يسوده فكر راديكالي انتحاري بات يشكل خطرا داهما علي العالم الغربي‏.‏ وتوصل الفكر الأمريكي في ذلك الوقت إلي أن الحل الأمثل للتعامل مع هذه المشكلة هو أولا‏,‏ القضاء علي قاعدة الجهاد في العالم من خلال توجيه ضربة عسكرية لأفغانستان حيث الملجأ الآمن لقوي الإرهاب‏,‏ ثانيا‏,‏ إقامة نظام ديمقراطي ليبرالي موال للغرب يكون نموذجا لسائر دول المنطقة وهي المحاولة التي مارستها أمريكا علي الأراضي العراقية‏.‏ وكانت النتيجة النهائية لهذه التجربة هي تنظيم قاعدة أكثر مرونة وانتشارا من ذي قبل‏,‏ وتحول العراق إلي نموذج مرعب من الحرب الأهلية والفتنة الطائفية وسيطرة الميليشيات وعصابات الشوارع علي مجريات الأمور وحياة المواطنين‏.‏ ولم تتوقف خسائر أمريكا عند فشل سياساتها في تحقيق أهدافها الإستراتيجية فقط‏,‏ بل امتدت تلك الخسائر لتشمل نواح سياسية واقتصادية و ثقافية أيضا‏.‏

أنفقت الولايات المتحدة مليارات الدولارات علي أنشطتها العسكرية في مختلف أنحاء العالم منذ الحادي عشر من سبتمبر ويزداد حجم خسائر أمريكا المادية يوما بعد يوم من جراء هذه الحروب‏,‏ وحتي الآن لا احد يدري ماذا ستجنيه أمريكا من وراء هذه المليارات‏.‏ وإذا كان الاقتصاد الأمريكي قادر علي تحمل هذا الحجم من الخسائر المادية‏,‏ فمما لا شك فيه أن السياسة الأمريكية ليست في وضع يسمح لها بتحمل كل هذه الأخطاء الإستراتيجية‏,‏ وهو الواقع الذي أكده الفوز الساحق للحزب الديمقراطي في انتخابات الكونجرس الأخيرة‏.‏ تسببت حرب أفغانستان في تفكيك البنية الأساسية للإرهاب‏(‏ بعد أن اتخذت أفغانستان مركزا لها‏)‏ ونشرها في مختلف أنحاء العالم كلندن ومدريد وبالي‏.‏

كما أدت أفعال إدارة بوش إلي تشويه الحرب علي الإرهاب وتحويلها إلي صراع دموي بين الإسلام والحضارة الغربية‏,‏ وكنتيجة‏,‏ زادت حدة العدائية تجاه أمريكا في العالم العربي‏,‏ وزادت شعبية الحركات الإسلامية في المنطقة‏(‏ الشرعية منها وغير الشرعية علي السواء‏).‏ ومن ضمن الخسائر الإستراتيجية كان العبث بموازين القوة في الشرق الأوسط وهو ما أدي إلي ظهور تهديدات أمنية جديدة في المنطقة مثل زيادة فاعلية حركات المقاومة والمضي قدما في تطبيق البرنامج النووي الإيراني‏.‏ وكان من الطبيعي أن يؤدي تسلل الأحداث علي هذا النحو إلي التقليل من مصداقية الولايات المتحدة في العالم العربي والشرق الأوسط والعالم ككل‏.‏ وبعد تكبد كل هذه الخسائر‏,‏ أدرك جورج بوش أخيرا ضرورة الانسحاب من العراق‏,‏ ولكن حتي الآن لم تتوصل إدارته إلي كيفية أو توقيت هذا الانسحاب‏,‏ ناهيك عن الفراغ السياسي الذي سيخلفه الانسحاب الأمريكي من العراق والتهديدات الأمنية والسياسية التي ستواجهها المنطقة من جراء هذا الفراغ‏.‏ وأخيرا‏,‏ لم تنجح كل هذه الحروب في رفع الشعور بالخطر وعدم الأمان عن نفس المواطن الأمريكي‏,‏ ومازال شبح الإرهاب يطارد الشعب الأمريكي أينما ذهب‏.‏

مجمل ما سبق‏,‏ أن سياسة أمريكا وحلفائها في التصدي للتحدي الأكبر الذي واجهها وهو الحادي عشر من سبتمبر لم تنجح في تحقيق أي من الأهداف التي سعت لتحقيقها عقب حادث سبتمبر‏.‏ بل علي النقيض‏,‏ أدت الإستراتيجية الأمريكية إلي الكثير من الخسائر والتي جعلت من العالم مكانا أكثر خطورة وأقل أمنا‏.‏ وفي ظل هذه الحالة من الفشل والتخبط‏,‏ لم يعد من الممكن استبعاد وقوع حوادث أخري مثل حادث سبتمبر بنفس الحجم والأثر التدميري‏.‏ ولهذه الأسباب بات ضروريا علي قيادات العالم الجديدة في كل من أوروبا وأمريكا أن تطبق استراتيجيات تعمل علي إصلاح ما أفسدته القيادات السابقة‏,‏ وهذا الإصلاح هو بلا شك التحدي الأكبر لتلك القيادات الجديدة لعلها تنجح في إعادة بعض من الأمان والاستقرار للعالم بعد غيابهم من جراء أفعال جورج بوش ورفاقه‏.‏ فهو بالتأكيد أمر طبيعي أن تقودنا أفعال وتصرفات تنظيم القاعدة إلي بيئة خطرة‏,‏ ولكن الغريب هو أن تقودنا تصرفات الإدارة الأمريكية إلي عالم أكثر خطورة‏.‏ في ظل هذا الواقع المرير‏,‏ لم يعد بوسعنا سوي أن نأمل أن سياسات القيادات الجديدة لأمريكا وأوروبا لن تزيد من خطورة هذا العالم ومن حدة شرارة العنف المشتعلة فيه‏.‏

وليدالحسني
مدير عام
مدير عام

عدد الرسائل : 396
العمر : 31
الموقع : www.alhasny.mam9.com
العمل/الترفيه : المسابقات
المزاج : رائق
تاريخ التسجيل : 28/08/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alhasny.mam9.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى