الواقعية في السياسة الخارجية

اذهب الى الأسفل

default الواقعية في السياسة الخارجية

مُساهمة من طرف وليدالحسني في الإثنين 29 أكتوبر 2007 - 23:50

اذا كان المنهج الجيوبوليتيكي يؤكد على ان السياسات الخارجية للدول هي محصلة حتمية لظروفها الطبيعية - الجغرافية، فالمنهج الوصفي التاريخي يعتمد وصفاً ومتابعة تاريخية للسياسة الخارجية والتاريخ الدبلوماسي للدولة، في محاولة لتلمس الواقع وافاق هذه السياسة، اما المنهج التحليلي فينطلق من ان السلوك السياسي الخارجي هو محصلة لنظام متعدد الدول يتميز بصراع المصالح والستراتيجيات ويطلق عليه تحليليا بالنظام السياسي الدولي.


اما المنهج الواقعي فيعود تأسيسه الى هانز موركن ثاو (1904 - 1980) الاميركي، الالماني المولد، مؤسس الجمعية الوطنية للسياسة الخارجية الاميركية عام 1974 وأول رئيس لها، من مؤلفاته (في الدفاع عن المصالح القومية) و(السياسة بين الامم).
وترجع جذور المنهج الواقعي الى اراء القس البروتستانتي راينهات نيبور التشاؤمية، التي دفعت موركن ثاو الى دراسة الواقع السياسي الدولي استنادا الى منطلقات الفلسفة الواقعية، لقد رأى ثاو ان مجمل القوانين والظواهر السياسية ما هي الا انعكاس للدوافع الشريرة الراسخة في الطبيعة الانسانية، وفي دوافع الانانية والسعي لامتلاك القوة، وفي ضوئها دعا الى فهم الحياة السياسية، عموما من خلال استيعاب اسبابها وقوانينها الحقيقية، ومن ثم اعتماد السياسات التي تنسجم وتتماشى معها..
والهم الاساس للدول ضمان مصالحها الحيوية، فلا تمانع في استخدام القوة السياسية او العسكرية للتأثير في افعال بعضها البعض الاخر او السيطرة عليها، فهو صراع بين الامم من اجل القوة خدمة لمصالحها المتنافسة.
دور القوة والمصلحة في سياسة
الدول الخارجية
انطلق ثاو لدراسة هذا الواقع من مفهومين اساسيين ومترابطين يشكلان جوهر اطار منهجه الواقعي، وهما:
القــوة والمصلحة: فالدول لا تختلف عن الافراد فهي ترمي، خدمة لمصالحها، الى الحصول على القوة وتنميتها واستعراضها، وفي ضوئه صنف الدول الى ثلاثة انواع هي: الدول الاستعمارية، والسياسات المحافظة، والسياسات التي تجمع بين هذين النوعين في آن واحد، فالدولة ذات القوة والتأثير ترمي الى احداث تغيير جوهري في طبيعة علاقات القوة الدولية وصولا الى مد اطار مصالحها على شتى الاصعدة، اما الدولة ذات القوة والتأثير الاقل، فهي التي تسعى الى المحافظة
على طبيعة الوضع الدولي
الراهن للحفاظ على مصالحها الحالية..
اما بالنسبة للمصلحة، فان موركن يميز بين نوعين اساسيين منها وهي:
المصالـــح الاساســـية والمصالـــح الثانوية:
وبينما ربط البقاء المادي بالنوع الاول، رأى ان طبيعة النوع الثاني من المصالح تحددها الاعتبارات والظروف الداخلية للدولة، وفي الوقت الذي يعطي موركن اهمية مركزية للمصالح الاساسية يؤكد ارتباطها بعلاقة تفاعل وثيقة مع المصالح الثانوية مع ذلك يؤكد ثاو عدم الانجرار وراء تحقيق مصالح ذات اهمية سياسية ضئيلة الذي يؤدي الى استنزاف قدرة الدولة في حماية مصالحها الاساسية.. ولتجنب هذه الاحتمالية، دعا الدولة الى اجراء موازنة عقلانية بين هذه المصالح اي بين الهدف ووسيلته.
واكد ثاو على سمو مصلحة الدولة على المصالح والمطالب الداخلية، فمصلحة الدولة تعلو على غيرها من المصالح، لهذا ينفي وجود علاقة وطيدة بين السعي نحو تحقيق مصلحة الدولة، وبين المثل والقواعد الاخلاقية العامة المجردة.
فالاخلاقية والايديولوجية لا تتناقض عنده مع مصلحة الدولة فحسب، وانما تعكسان القناع الذي يخفي حقيقة الصراع الدولي، والسبب وراء عدم استقرارية النظام السياسي الدولي، لذا ينصح ثاو الدول بطرح المثل الاخلاقية العامة، عند تفاعلها سياسيا مع بعض لكن موركن مع ذلك لا يجرد الدول من التأثير الاخلاقي تماما، اذ يرى انها تنطلق من اخلاقية خاصة، وهي اخلاقية حماية المصالح الاساسية للدولة، لذا حذر من الخلط بين اخلاقية الدولة واخلاقية الفرد.
ويؤكد ثاو مسألة حيوية، وهي ان سمة السياسة الدولية هي (الصراع الدولي) لكنه لا ينكر سعي الدول نحو السلم، فالدول تلجأ لتحقيق ذلك الى جملة من الصيغ ابرزها
الدبلــومـاسـية التقلـيديـــــة (السرية) وسياسة توازن القوى
وهو يعطي للاخيرة الدور الاساسي في ضمان استقرارية النظام السياسي الدولي.. ولقد اكد الواقع طروحات ثاو بهذا الشأن فما ان انهار الاتحاد السوفيتي، انتهت القطبية الثنائية وسادت الفوضى في العالم، مع ذلك لم يقف ثاو، تماما ضد المحاولات الدولية الرامية الى احداث نوع من التغيير في هياكل القوة الدولية، لاسيما عندما لا تؤدي هذه المحاولات الى ترتيب تحول جذري في طبيعة هذه الهياكل.
يبدو مما تقدم الى ان ثاو اشار الى ست نقاط تؤدي الى هذه الواقعية في السياسة الخارجية، هي:
1- هناك قوانين موضوعية تحكم السياسات، وهي متجذرة من الطبيعة الانسانية.
2- القوة الرئيسة التي تقود السياسة الخارجية للدول، هي منظور المصالح التي يتم تعريفها بمصطلحات القوة.
3- المنظور الاساس هو منظور واقعي وموضوعي دوليا، لكنه
لا يحمل المعنى الثابت نفسه الى الابد.
4- الواقعية السياسية هي الوعي بالاهمية المعنوية للعمل السياسي.
5- ترفض الواقعية السياسية الموازنة بين المبادىء المعنوية لاية امة، او لاي زمان مع القوانين المعنوية الكلية التي تتحكم بالعالم ككل.
6- تحوي الواقعية السياسية على فصل بين كمال المادة الفكرية مع مراعاة الاطر الاخرى، وبين الترابط الداخلي، بين السياسة والحقول الاخرى.
لقد تمتعت اراء المنهج الواقعي لثاو بقدر كبير من الصحة والصواب، فضلا عن ان منطلقاته اعادت ربط السياسة الخارجية بالواقع، الذي تنبع منه، وابعدتها عن الافتراضات العاطفية، فلا يمكن للمرء ان ينكر الدور الذي تلعبه القوة والمصلحة في السياسات الخارجية للدول، وفي المقابل لا يمكن الادعاء ان موركن ثاو قدم تعليلات متكاملة للواقع السياسي الدولي المعاصر، فهناك العديد من ارائه وجه اليها النقد، لان النقص يشوبها وتتميز بطابع المبالغة، ومن جملتها آراؤه في الانفراد لدور القوة والمصلحة، والاخلاق والايديولوجيا.. مما دعا البعض الى الاتجاه للدراسات المعاصرة في استخدام ستراتيجيات جديدة، تتميز بتعدد المفاهيم والمتغيرات لفهم السياسة الخارجية للدول واحتمالية الفرضيات العلمية من الناحية الثانية.

وليدالحسني
مدير عام
مدير عام

عدد الرسائل : 396
العمر : 31
الموقع : www.alhasny.mam9.com
العمل/الترفيه : المسابقات
المزاج : رائق
تاريخ التسجيل : 28/08/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alhasny.mam9.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى