ثقافة الإرهاب

اذهب الى الأسفل

default ثقافة الإرهاب

مُساهمة من طرف وليدالحسني في الخميس 29 نوفمبر 2007 - 0:44

ثقافة الإرهاب


يتحدثون عن ثقافة الإرهاب، ويملؤون الأسماع ضجيجاً إذا وجدوا ما يشير إلى رفض سياستهم في عبارة أو تصريح. ويؤكدون أن ثمة فكراً إرهابياً يتبناه هذا الشعب من شعوب العالم المستضعف أو ذاك. وإذا قلنا لهم، أو قال واحد منهم من ذوي النزعة الإنسانية والتفكير الموضوعي: ابحثوا عن سبب للإرهاب في الواقع لا في الفكر والثقافة، أعيدوا النظر في علاقاتكم بالشعوب، ارفعوا عنها الاضطهاد، ساعدوها في مكافحة الفقر والتخلف، لا تحتلوا أراضيها ولا تقتلوا أبرياءها، فهذا هو طريق مكافحة الإرهاب، إذا قلنا لهم هذا، أو قاله واحد منهم، برموا بهذا القول، والتفوا على ما فيه من حقيقة، وتشبثوا باتهاماتهم، واستشهدوا بأقوال وأفعال لشخصيات أو مجموعات هم صنعوا بعضها ومدوها بالمال والسلاح ورعوها، ليستخدموها ضد عدو سابق، أو عدو محتمل.
قد نجد في كل ثقافة فكرة أو فِكَراً، عبارة أو عبارات، تشكل سنداً لنزعة العنف والإرهاب، وقد يكون من المفيد العودة إلى الظروف التي ارتبطت بها هذه الفكرة أو العبارة، وهي ظروف صراع وحروب وانتفاضات كان كل طرف فيها يسعى إلى إثارة حمّية أنصاره وبث الحماسة في نفوسهم، غير أن هذا لا يبيح وصم ثقافة شعب من الشعوب أو مرحلة من مراحل تاريخ أمة أو دولة بوصمة الإرهاب، فكل ثقافة صنعتها أمة من الأمم عبر أجيالها، هي مفعمة بالروح الإنسانية والدعوة إلى الخير، وإلى التسامح والتواصل مع الآخرين.
لكن الأمر هو، في حقيقته، تضليل فكري وإعلامي تمارسه القوى الحاكمة في الولايات المتحدة، لتسوّغ به سعيها إلى السيطرة على العالم وتكريس نفسها حاكماً دولياً، يتدخل في شؤون الشعوب ويقرر مصيرها.
هنا تتجلى النزعة البراغماتية للإعلام في الولايات المتحدة، وللنشاط الفكري المعبر عن مصالح القوى الحاكمة فيها. ولعل ذلك يبدو جلياً إذا أنعمنا النظر في أمرين:
الأول هو نظرية (صدام الحضارات) التي شكلت في العقد الأخير، وما زالت تشكل، الأساس الفكري لسياسة الإدارة الأمريكية، وهي نظرية خرجت من تحت قبة البراغماتية. والثاني هو غزارة إنتاج الأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية التي تروّج العنف والقتل وتزينهما للأطفال واليافعين، وتنمي فيهم النزوع العدواني الشرس.
وإذا كان الأمر الثاني جزءاً مما سميناه في مقالتنا السابقة بالثقافة الخفيفة، التي يتجرعها المرء يومياً دون عناء، وتقدمها إليه محطات البث كما تقدم الوجبات السريعة، فإن الأمر الأول، أي نظرية صدام الحضارات، هو جزء من الثقافة (الثقيلة)، ولكنها ليست من النوع الذي يعزز الروح الإنسانية ويقوي أواصر الصلة بين الشعوب والثقافات والحضارات، بل من النوع الذي يخرّب هذه العلاقات ويقدم السند الفكري لدعاة الحرب والتدمير.
من يقرأ نظرية صدام الحضارات قراءة عميقة، يجد أنها نظرية إرهابية بكل ما للكلمة من معنى. فهي تقسم الحضارات (والثقافات) إلى أنواع منفصلة، لا يمكن لها أن تتواصل أو تتفاعل أو على الأقل لا يمكن أن يصل تواصلها وتفاعلها إلى درجة تمنع تصادمها، أي تمنع الحرب بين الشعوب المختلفة حضارة وثقافة.
لقد كتب الكثير عن الطبيعة العدوانية لهذه النظرية، وبين الباحثون في بلادنا، وفي الغرب أيضاً، الفرق بين ما يحمله تعبير (حوار الحضارات)، و ما يحمله تعبير (صدام الحضارات). ففي نظرية هنتنغتون تأكيد لحتمية الصدام، أي حتمية الحروب ذات الطابع العرقي أو الديني، فالحضارات العديدة (والثقافة روح الحضارة) التي صنعتها الشعوب وما تزال تتبناها، هي أنواع متنافرة متنابذة، لا يمكن لها أن تتعايش، ولا بد أن تهيمن إحداها على الأخرى، لتسود الحضارة الأقوى وتفرض قيمها ويستبد أصحابها بالعالم استبداداً.
إن من يتبنى هذه النظرية، من الشعوب التي تعد نفسها أرقى من سواها، لا بد له من أن ينظر نظرة ازدراء إلى الحضارات والثقافات الأخرى، ويتعامل معها تعامل المتعالي، ويعطي نفسه الحق في السيطرة على العالم وتوجيهه لنشر حضارته وتعميم ثقافته. ومن أجل هذا يتطاول على الشعوب، أو يموّه تطاوله وسعيه إلى الهيمنة بهذا الغلاف الثقافي الحضاري، وإذا وجد مقاومة قمعها ونكّل بها.
أليست هذه ثقافة إرهاب؟
وإذا كان ثمة حركات إرهابية في مناطق العالم المختلفة، فهل سيكون لنظرية (صدام الحضارات) فعل إيجابي مخفف للنزعة الإرهابية، ودافع لفض الناس عن دعاة الإرهاب وممارسيه؟ أو أنها ستؤدي إلى تنمية هذه النزعة وتقوية التعصب وتكريس التناحر بين أصحاب الثقافات والحضارات المتنوعة؟
أما أفلام العنف والقتل، التي تملأ الشاشات وتشد أنظار الناشئة، فهي تؤدي، على التدريج، إلى تعويدهم على القتل، وتلطيف فكرة العنف في أذهانهم، وجعلها فكرة عادية مقبولة، وترسّخ لدى الشباب نزعة رفض الآخر، رفض المختلف، وتصفيته عند الضرورة، أو عند الإمكان، وتقوي لديهم الميل إلى الحصول على كل شيء بمختلف الوسائل وبأشد الأساليب خسّة ووضاعة.
أليست هذه ثقافة إرهاب؟
ألا يحق لنا، لشعوب العالم الفقير المتخلف، المتلقي هذه الثقافة كما يتلقى أية سلعة أخرى، أن يقول للحاكمين في الولايات المتحدة: أزيلوا ثقافة الإرهاب من وسائل إعلامكم وعقول أبنائكم قبل أن تفعلوا أي شيء آخر؟

وليدالحسني
مدير عام
مدير عام

عدد الرسائل : 396
العمر : 31
الموقع : www.alhasny.mam9.com
العمل/الترفيه : المسابقات
المزاج : رائق
تاريخ التسجيل : 28/08/2007

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alhasny.mam9.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى